ابن الجوزي

539

كتاب ذم الهوى

ولم يزل يبكي حتى مات ، فدفن إلى جانبها . أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي ، قال : أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسّن ، قال : أنبأنا أبو عمر بن حيّويه ، قال : أنبأنا محمد بن خلف ، قال : أخبرني محمد بن موسى ، عن سعيد بن عبد اللّه بن ميسرة ، قال : حدّثني شيخ من أهل الشام ، قال : صحبني فتى في بعض أسفاري ، فكنت كثيرا أسمعه ينشد هذه الأبيات : ألا إنما التقوى ركائب أدلجت * وأدركت السّاري بليل فلم ينم « 1 » وفي صحبة التقوى غناء وثروة * وفي صحبة الأهواء ذلّ مع الندم فلا تصحب الأهواء واهجر محبّها * وكن للتقى إلفا وكن في التقى علم فقلت له يوما : ما هذه الأبيات التي أسمعك كثيرا تنشدها ؟ فضحك ، وقال : كيف سألتني عنها ؟ فقلت : لأني أراك كثيرا ما تنشدها ، فأردت أن أعلم من قولك هي ؟ قال : لا ، ولكنها من قول أخ لي ، وله حديث عجيب . فقلت له : حدثني ، فقال : نعم . كان لي أخ ، وكنت أحبه الحب الذي لا شيء بعده ، فمكثنا بذلك حينا ؛ فلزم الحديث والفقه والأدب ، وما رأيت فتى مع التقوى أمزح منه . قال : ثم تغير عن بعض ما كنت أعهد منه من المزاح والسرور وحسن الحديث ، فلما رأيت ذلك منه غمّني ، وأنكرته ، فخلوت به يوما ، فقلت : يا أخي ما قصتك ، وما حالك ، وما الذي نزل بك ؟ أخبرني ، فإن كان من أمر الآخرة سررت به ، وإن كان من أمر الدنيا أعنتك عليه . قال : واللّه يا أخي ما هو من أمر الآخرة ، ولكنه من أمر الدنيا ، ولست أبديه حتى يبلغ الأمر آخره ويخرج من يدي ، ولا أستطيع ردّه .

--> ( 1 ) أدلجت سارت في الدّلجة وهي الليل .